فهم النزاع والاستماع إلى الآخر.. ورشة في حلب لتعزيز الحوار وبناء السلام
فهم النزاع والاستماع إلى الآخر.. ورشة في حلب لتعزيز الحوار وبناء السلام

في ظل التحديات التي تواجه السوريين خلال المرحلة الانتقالية، بعد سنوات طويلة من النزاع، تتزايد الحاجة إلى مبادرات تساعد على فهم جذور الخلافات، وتوسيع مساحات الحوار بين مكونات المجتمع، وتحويل الاختلاف من سبب للانقسام إلى فرصة للتعاون وبناء السلام.
ضمن هذا السياق، أقامت مؤسسة Bond للتنمية المجتمعية، بالتعاون مع Action For Sama، ورشة تدريبية في مدينة حلب تناولت فهم النزاع، وتصميم مبادرات بناء السلام، والسرد القصصي.
وشارك في الورشة قادة مجتمعيون من خلفيات وتوجهات وتجارب مختلفة، بهدف تطوير قدرتهم على تحليل النزاعات وفهم أسبابها وآثارها، ثم الانتقال من تشخيص المشكلات إلى تصميم مبادرات تستجيب لاحتياجات مجتمعاتهم وتعزز التماسك المجتمعي.
وتندرج الورشة ضمن سلسلة من الأنشطة التي تنفذها الجهتان في محافظات سورية مختلفة، وتسعى إلى جمع قادة محليين ضمن مساحات مشتركة تتيح لهم التعارف والتعلم وبناء علاقات يمكن أن تتطور لاحقاً إلى تعاون عابر للمناطق.
فهم النزاع.. من تشخيص المشكلة إلى تصميم المبادرة
ركز الجزء الأول من الورشة، الذي قدمه المدرب والباحث المتخصص في بناء السلام عبد الفتاح شيخ عمر، على مفهوم النزاع وسبل فهمه وتحليله، من خلال تحديد أسبابه والأطراف المرتبطة به، والعوامل التي قد تؤدي إلى تصعيده أو استمرار آثاره داخل المجتمع.
ولم يتوقف التدريب عند تحليل النزاعات، بل انتقل إلى التفكير في كيفية التعامل معها عبر تصميم مبادرات لبناء السلام. وتدرب المشاركون على تحديد المشكلات والاحتياجات في مجتمعاتهم، واستكشاف الأدوار التي يستطيع القادة المجتمعيون القيام بها، وتحويل الأفكار إلى تدخلات تقوم على الحوار والتواصل والعمل المشترك.
ويهدف هذا المسار إلى تجاوز التعامل مع النزاع بوصفه مشكلة ظاهرة فقط، نحو فهم جذوره والعلاقات المحيطة به، وتحديد المساحات التي يمكن التدخل فيها للتخفيف من آثاره وبناء قدرة مجتمعية أكبر على إدارة الاختلاف.
وشكل تنوع المشاركين جزءاً أساسياً من التجربة، إذ جمعت الورشة أشخاصاً يحملون خلفيات وتجارب مختلفة، يعود بعضها إلى سنوات الثورة والنزاع، في محاولة لخلق مساحة مشتركة للتعلم والحوار.
وقال شيخ عمر إن تدريب القادة المجتمعيين على فهم النزاع وتصميم مبادرات بناء السلام يمكن أن ينقل الفاعلية المحلية من الاستجابة الانفعالية للظواهر السطحية إلى تحليل أعمق لديناميكيات الصراع، بما يساعد على تصميم تدخلات حساسة للنزاع وتلتزم بمبدأ «عدم إلحاق الضرر».
وأضاف أن قيمة هذه التدريبات تتضاعف في السياق السوري بسبب تنوع خلفيات المشاركين وربط القيادات تدريجياً بين المحافظات، وهو ما قد يسهم في تفكيك الصور النمطية وتوسيع الرؤية إلى النزاع خارج الخبرة المحلية الضيقة.
وبحسب شيخ عمر، يمنح التدرج في بناء التواصل بين المناطق المشاركين فرصة لاختبار الأدوات في سياقاتهم المحلية أولاً، ثم فهم العلاقة بين الإشكاليات المحلية والبنية الوطنية الأوسع.
ويرى أن هذا المسار يمكن أن يمهد لتكوين شبكة أفقية من قادة السلام، قادرة على التعامل بمسؤولية مع قضايا الذاكرة الجمعية، وتطوير مبادرات تتجاوز حدود المحافظة الواحدة وتساهم في تحقيق تحول مجتمعي أكثر شمولاً واستدامة.

السرد القصصي.. حين تصبح التجربة مساحة للحوار
خُصص الجزء الأخير من الورشة للسرد القصصي، بإشراف الصحفية وصانعة الأفلام وعد الخطيب، التي عملت مع المشاركين على مشاركة تجاربهم وقصصهم الشخصية ضمن مساحة آمنة.
وأتاح هذا الجزء الانتقال من مناقشة النزاع بصورة عامة إلى فهم أثره من خلال تجارب الأفراد، والاستماع إلى قصص لم يكن بعض المشاركين يعرفون تفاصيلها من قبل.
ورغم اختلاف التوجهات والخلفيات والتجارب السابقة، فتحت القصص المجال أمام فهم الظروف التي أسهمت في تشكيل مواقف الآخرين ورؤيتهم للأحداث التي مر بها المجتمع السوري.
ولم يكن الهدف الوصول إلى اتفاق حول التجارب أو المواقف، بل إتاحة مساحة للاستماع والاحترام وفهم الآخر. وبهذا المعنى، أصبح السرد القصصي جزءاً من عملية بناء الثقة بين المشاركين، وليس مجرد تمرين على رواية الأحداث.
ومن بين المشاركين حسن عجم، أحد أعضاء رابطة عائلات قيصر، الذي وصف التدريب بأنه «من أنجح الورشات التي حضرتها»، معتبراً أنه قدم تجارب وسياقات جديدة ومختلفة.
وأشار عجم إلى أهمية تكرار هذا النوع من الجلسات والاستماع إلى تجارب فئات سورية لم تكن حاضرة في خبرته السابقة، قائلاً: «تشاركنا التجارب واستمعنا إلى قصص كانت غائبة عن تجربتنا».
وأضاف أن جلسات السرد دفعته إلى إعادة النظر في بعض تصوراته السابقة، موضحاً: «كنت أعتقد أننا، كمجتمع ثوري، وحدنا من تعرض لانتهاكات من طرف النظام البائد، لكن مع مشاركة القصص وسردها من أصحابها، وجدت أن أطياف الشعب السوري جميعها تعرضت لانتهاكات مشابهة».
ووصف الورشة بأنها «مساحة آمنة للتعبير عن المشاعر وسرد القصص الشخصية والمضايقات والانتهاكات»، لافتاً إلى أهمية دور ميسري الجلسات في التعامل مع المشاعر، وإلى أن الوعي والتفهم كانا حاضرين بين المشاركين والمشاركات.
وتجاوز التدريب رواية التجربة كما حدثت، إلى تعلم كيفية بناء سردية حول موقف عاشه الشخص، واستخراج الأثر أو المعنى الذي بقي معه، ثم تحويله إلى قصة يمكن مشاركتها مع الآخرين.
وقالت الخطيب إن كل مشارك يحمل تجربة شخصية كبيرة، وإن اختلاف المنظومات التي ينظر من خلالها الأشخاص إلى الأحداث لا يلغي حجم الألم والحساسية الموجودة لدى الجميع.
وأضافت أن ذلك يجعل توفير بيئة آمنة أمراً أساسياً، كي تصبح مشاركة القصص مساحة للتعبير والتفريغ والتعاون والتعاطف.
ورأت الخطيب أن الذاكرة والسرد القصصي قادران على بناء جسور بين الناس، ولا سيما في ظل الفجوات التي خلفتها سنوات النزاع والمشكلات اليومية التي ما تزال تدفع السوريين بعيداً بعضهم عن بعض.
وأكدت حاجة السوريين إلى الاستماع بعضهم إلى بعض واحترام آلامهم، معتبرة أن خلق مساحات قائمة على الذاكرة والسرد يتيح للناس انفتاحاً أكبر على تجارب الآخرين ومشاركة آلامهم.
وقالت إن ما مر به السوريون يجعل الحاجة إلى هذه المساحات أكثر إلحاحاً، وإن البلاد تستحق بناء جسور جديدة تُسمع عبرها قصص الناس وتجاربهم في مختلف المناطق.
الذاكرة بوصفها أداة للفهم
لم يتوقف التدريب عند مشاركة التجارب الشخصية، بل امتد إلى التفكير في توثيقها وحفظها ضمن معرض للذاكرة يضم قصصاً كتبها المشاركون خلال جلسات السرد.
وتنطلق فكرة المعرض من أن الذاكرة ليست مجرد استعادة للماضي، بل يمكن أن تكون أداة لفهم التجارب المختلفة وفتح حوار حولها، خصوصاً عندما تتجاور روايات متعددة لأشخاص عاشوا المرحلة نفسها بطرق متباينة.
وقالت المتدربة والاختصاصية النفسية سُمية عبد الفتاح إن صورة الإنسان عن حدث أو منطقة أو مجموعة قد تُبنى على ما سمعه أو قرأه أو عايشه، لكن الاستماع إلى شخص عاش التجربة يجعل الصورة أكثر تعقيداً وإنسانية.
وأضافت أن السرد القصصي جعلها تنتبه إلى أن وراء كل موقف تاريخاً من المشاعر والخوف والخسارة والخيارات والظروف التي قد لا يعرفها الآخرون.
وأوضحت: «ما تغير بالنسبة إليّ هو انتباهي أكثر إلى الفارق بين فهم موقف الآخر والموافقة عليه؛ يمكنني أن أفهم ألمه وسياقه حتى لو اختلفت معه، وهذه مساحة مهمة جداً لبناء الحوار».
وأكدت أهمية المساحات الآمنة في إعادة حق الإنسان في أن يكون مسموعاً، من دون أن يضطر إلى الدفاع عن وجوده أو تجربته، مشيرة إلى أن النزاع لا يترك آثاراً مادية فقط، بل يخلف أيضاً روايات وذاكرة ومشاعر وصوراً نمطية عن الآخر.
وبرأيها، لا يلغي اللقاء القائم على الاستماع والاحترام الاختلاف، لكنه يساعد على التعامل معه بطريقة لا تنتج مزيداً من الانقسام.
وأضافت: «السلام لا يعني أن يصبح الناس متشابهين، بل أن يتمكنوا من الاختلاف من دون أن يفقدوا إنسانيتهم تجاه بعضهم».
وبذلك، تتحول القصص الشخصية من تجارب فردية إلى مادة يمكن مشاركتها، وتتيح التعرف إلى جوانب متعددة من الذاكرة السورية، بعيداً عن الرواية الواحدة أو النظرة الأحادية إلى الأحداث.
من التدريب إلى العمل المشترك
لا تتوقف مخرجات الورشة عند التدريب أو مشاركة القصص، إذ يعمل المشاركون على تطوير مبادرة مشتركة تنطلق من الأفكار والاحتياجات التي ظهرت خلال الجلسات، ويشاركون في تنظيمها وتنفيذها.
وتتضمن المبادرة، وفق الخطة المطروحة، عرض فيلم «إلى سما»، إلى جانب إقامة معرض يضم بعض القصص التي كتبها المشاركون خلال جلسات السرد القصصي.
وتأتي هذه الخطوة ضمن مسار أوسع يهدف إلى ربط المشاركين في الورش المقامة في محافظات مختلفة، حتى لا تبقى التدريبات منفصلة، بل تتطور نحو شبكة من القادة المجتمعيين القادرين على التواصل والعمل المشترك، رغم اختلاف المناطق والخلفيات والتجارب.
وتهدف هذه التدريبات، على المدى البعيد، إلى جمع مكونات مجتمعية متنوعة ضمن مساحات مشتركة، وتنفيذ مبادرات تجمع المشاركين حول قضايا واحتياجات مجتمعية، بما يعزز فرص الحوار والتعاون وبناء السلام.
وبين فهم النزاع، وتصميم المبادرات، والاستماع إلى قصص الآخرين، والعمل على مبادرة مشتركة، تحاول الورشة نقل بناء السلام من مستوى المفهوم إلى الممارسة، عبر الحوار والإنصات والعمل الجماعي.
كما تسعى إلى فتح مساحات يجري فيها التعامل مع الاختلاف بوصفه فرصة للفهم والتعاون، لا سبباً لمزيد من الانقسام.





