من قلعة حلب إلى مجلس الشعب… عندما تتسلل العقلية الأمنية إلى مؤسسات الدولة المدنية

“نعتذر للمواطنين الكرام عن تعطيل بعض أعمالهم بصورة مؤقتة.” قائد الأمن الداخلي في دمشق
“الأمن الحقيقي لا يُقاس بمساحة المدينة التي تستطيع إغلاقها، بل بقدرتك على حماية المؤسسة بأقل أثر ممكن على حياة الناس.”
“مجلس الشعب يفترض أن يكون أقرب مؤسسات الدولة إلى الناس، فكيف يصبح انعقاده سبباً لإبعاد الناس عن محيطه؟”
“الشارع العام لا يصبح جزءاً من المؤسسة الحكومية لمجرد أن واجهتها تطل عليه.”
“الدولة لا تضعف عندما تصحح إجراءاتها، تضعف عندما يصبح الخطأ غير قابل للنقاش.”
“هيبة الدولة أن تقول نحن لا نفعل ذلك لأننا لسنا ذلك النظام، لا أن تقول كانوا يفعلون أكثر.”
“الدولة المدنية تبدأ من الدستور، لكنها تُختبر على الرصيف، وأمام باب المؤسسة، وفي الطريق المؤدي إلى مجلس الشعب.”
ملاحظة: يُستخدم تعبير “الدولة المدنية” في هذا المقال في سياق نقد تغلغل العقلية الأمنية في عمل المؤسسات المدنية وإدارة المجال العام، وليس بوصفه تعريفاً شاملاً لمفهوم الدولة المدنية. فالدولة المدنية مفهوم أوسع يرتبط بسيادة القانون، والمؤسسات، والمواطنة، والحقوق، والفصل بين السلطات، والمساءلة، ولا يتناقض وجودها مع وجود أجهزة أمنية قوية ومحترفة. النقاش هنا لا يدور حول الأمن بحد ذاته، بل حول الحد الفاصل بين الأمن بوصفه وظيفة ضرورية لحماية المجتمع، وبين تحوله إلى منطق يطغى على عمل المؤسسات المدنية وحياة المواطنين اليومية.
قد تبدأ الحكاية بثلاثين متراً من شارع في حلب، أو بلافتة معلقة على باب مديرية للمواصلات في جسر الشغور، أو بسيارة لا يسمح لها بالتوقف قرب نقطة تابعة لـ CMU، ثم تمتد إلى شوارع كاملة في قلب دمشق تُغلق مع انعقاد جلسات مجلس الشعب. تبدو هذه الوقائع، إذا نظرنا إلى كل واحدة منها منفردة، تفاصيل صغيرة يمكن تبريرها بجملة واحدة: “إجراءات أمنية”. لكن اجتماعها يفتح سؤالاً أكبر بكثير من مساحة طريق أو هاتف محمول أو حاجز، هل نبني مؤسسات مدنية بعقلية مدنية جديدة، أم أن جزءاً من الثقافة الأمنية التي حكمت علاقة السوري بالدولة لعقود ما يزال يجد لنفسه مكاناً داخل المؤسسات الجديدة، ربما أحياناً بحسن نية، وربما تحت ضغط مخاطر حقيقية، لكن من دون أن نسأل بما يكفي عن الحد الفاصل بين الأمن الضروري وبين تحويل الضرورة الأمنية إلى قاعدة لإدارة المدينة والمواطن؟
لا أحد يستطيع أن يجادل بجدية في أن سوريا اليوم تحتاج إلى مؤسسات أمنية قوية ومحترفة وقادرة على حماية الناس والمباني العامة والمسؤولين. فالبلاد لم تخرج بعد من آثار حرب طويلة، وانتشار السلاح حقيقة، والتهديدات الأمنية ليست افتراضاً نظرياً، ومن واجب الدولة أن تتعامل معها. لكن وجود الخطر لا يعني أن كل إجراء يُتخذ باسمه يصبح صحيحاً بصورة تلقائية. ففي الدولة المدنية، الأمن ليس كلمة تنهي النقاش، وإنما سياسة تخضع هي الأخرى للسؤال، ما الخطر الذي نعالجه؟ وما حجم الإجراء الضروري لمواجهته؟ وهل توجد وسيلة أقل إضراراً بحركة الناس وحياتهم؟ وكم تستمر القيود؟ ومن يراجعها؟ الفارق هنا دقيق لكنه أساسي: الأمن المهني يبحث عن أقل قدر من التقييد يحقق أعلى قدر ممكن من الحماية، بينما تميل العقلية الأمنية التقليدية إلى توسيع المنع أولاً ثم مطالبة المجتمع بالتكيف معه.
في محيط قلعة حلب، وفي واحدة من أكثر مناطق المدينة ازدحاماً وحساسية من حيث حركة السيارات والزوار والنشاط التجاري، يقع مكتب لإحدى الكتل الخدمية الحكومية. وأمام المكتب يمتد نطاق بطول يقدّر بنحو ثلاثين إلى أربعين متراً وبعرض يقارب المترين يُمنع فيه وقوف السيارات أو توقفها. تحت مبرر أن المكان أمام “مؤسسة حكومية”. وقد يبدو ذلك محدود الأثر إذا حُسب بالأمتار فقط، لكنه يقع في منطقة لا تعاني أصلاً من فائض في أماكن التوقف، بل من ضغط مروري شديد، وبالتالي فإن كل مساحة تُلغى فيها إمكانية الوقوف لا تلغي السيارات نفسها، وإنما تدفعها ببساطة إلى البحث عن مكان آخر، وربما إلى الدوران مدة أطول أو الوقوف بشكل مزدوج أو زيادة الضغط على الأزقة والشوارع المجاورة.
المشكلة هنا ليست حق المؤسسة في حماية مقرها، وإنما افتراض أن وجودها بحد ذاته يمنحها حقاً شبه تلقائي في الشارع المقابل لها. فالشارع العام لا يصبح جزءاً من العقار الحكومي لمجرد أن واجهته تطل عليه، كما أن مؤسسة الدولة ليست مالكاً للمجال العام وإنما مستخدم له شأنها شأن المواطنين، مع ما قد تستلزمه طبيعة عملها من تدابير استثنائية ينبغي أن تبقى فعلاً استثنائية. وإذا احتاج المبنى إلى منع السيارات من التوقف بمحاذاته بسبب خطر أمني واضح، فمن المشروع اتخاذ الإجراء، لكن من المشروع أيضاً أن نسأل: لماذا أربعون متراً؟ وهل تكفي عشرة أو عشرون؟ وهل توجد حواجز هندسية تحقق حماية أفضل بمساحة أقل؟ وهل جرى التفكير في أثر القرار على منطقة سياحية وتجارية شديدة الازدحام؟ هذه الأسئلة لا تقوّض الأمن، بل تجعل القرار الأمني أكثر احترافاً وأقل خضوعاً للاجتهاد.
وإذا كان حجز أربعين متراً أمام مؤسسة واحدة يبدو أمراً صغيراً، فإن الصورة تختلف عندما نضعه إلى جانب ما يحدث حول مؤسسات ونقاط أخرى. ففي حلب أيضاً يجري التعامل مع محيط عدد من نقاط CMU باعتبارها نقاطاً ذات طبيعة أمنية يُمنع الوقوف أو التوقف بمحاذاتها. مرة أخرى، قد تكون هناك اعتبارات حماية حقيقية لا يملك المواطن العادي تفاصيلها، وقد يكون منع السيارات قرب بعض النقاط ضرورياً بالفعل، لكن الخطر يبدأ عندما يتحول المبدأ إلى قاعدة لا تحتاج إلى تفسير: نقطة CMU تعني تلقائياً مساحة محظورة حولها، ومؤسسة حكومية تعني مساحة محظورة أمامها، ومبنى رسمي يعني طريقاً ينبغي إفراغه. وإذا جمعنا هذه النطاقات الصغيرة الموزعة في أنحاء المدينة، فإننا لا نعود أمام عشرين أو ثلاثين متراً، بل أمام شبكة غير مرئية من المساحات التي يُعاد تعريف استخدامها تبعاً لاحتياجات المؤسسات لا احتياجات المدينة.
المشكلة في هذا النوع من الإجراءات لا تقاس فقط بعدد الأمتار. متران من عرض طريق في منطقة قليلة الحركة لا يساويان مترين في نقطة مكتظة عند قلعة حلب، كما أن عشرين متراً من منع التوقف في شارع واسع لا يساويان المساحة نفسها عند تقاطع يعاني أصلاً من الاختناق. التخطيط الحضري الحديث يتعامل مع الطريق كمنظومة مترابطة، القرار في نقطة واحدة يمكن أن يدفع الازدحام إلى نقطة أخرى، وأن يزيد وقت الرحلات واستهلاك الوقود ويضغط على المواقف والمحلات المجاورة. ولذلك فإن السؤال الأمني يجب أن يجلس إلى الطاولة نفسها مع السؤال المروري والخدمي والاقتصادي، بدلاً من أن يكون الأمن صاحب الكلمة الأولى والأخيرة ثم تُترك بقية القطاعات لمعالجة النتائج.
ومن حلب إلى جسر الشغور، تختصر لافتة صغيرة جزءاً كبيراً من الإشكالية. فعلى باب مديرية المواصلات في جسر الشغور، عبارة تقول: ”ممنوع إدخال السلاح والموبايل”. من الطبيعي تماماً أن يُمنع السلاح داخل مؤسسة مدنية، لكن وضع الهاتف المحمول إلى جانبه في قائمة واحدة يخلق مفارقة يصعب تجاهلها. الهاتف اليوم ليس مجرد وسيلة للحديث أو الترفيه، وإنما يحمل صور الوثائق والأرقام والبيانات والرسائل والملفات، وقد يصل المواطن إلى نافذة المعاملة ويُطلب منه رقم أو معلومة موجودة حصراً في هاتفه، أو يحتاج إلى التواصل مع أحد أفراد أسرته للحصول على معلومة ناقصة، أو الرجوع إلى صورة ورقة أو مستند أُرسل إليه. فكيف تطلب المؤسسة من المواطن إنجاز معاملة إدارية حديثة ثم تمنعه في الوقت نفسه من إدخال إحدى أهم الأدوات التي يحتفظ من خلالها بمعلوماته؟
إذا كان الهدف منع التصوير داخل المديرية، فإن أكثر الحلول وضوحاً هو أن تكتب المؤسسة “التصوير ممنوع”، وأن تحدد إن لزم الأمر الأقسام التي يحظر فيها استخدام الكاميرا. وإذا كانت هناك وثائق حساسة، يمكن وضع تعليمات واضحة لحمايتها. لكن هناك فرقاً كبيراً بين منع فعل محدد وبين منع الأداة كلها. المنهج الأول ينظم سلوك المواطن، أما الثاني فيفترض أن أفضل طريقة لمنع إساءة محتملة هي إلغاء إمكانية الاستخدام بالكامل. وحتى على المستوى الرمزي، فإن اجتماع “السلاح والموبايل” على لافتة باب مؤسسة خدمية يوحي بأننا ما زلنا بحاجة إلى مراجعة لغتنا الإدارية وطريقة تصورنا للمواطن وما يحمله معه إلى مبنى عام.
لكن المثال الأكثر وضوحاً، والأكثر أهمية من حيث رمزيته السياسية، ظهر مع انطلاق أعمال مجلس الشعب السوري الجديد. ففي 12 تموز/يوليو 2026 انطلقت الجلسة الأولى للمجلس في دمشق، بحضور الرئيس أحمد الشرع وأعضاء المجلس وعدد من الوزراء. وخلال الجلسة تحدث الرئيس عن أهمية “تقريب الرأي وبسط الشورى لتحقيق النفع”، في إشارة إلى وظيفة المجلس باعتباره مساحة للنقاش وتنظيم المصالح العامة، وفي اليوم ذاته كتب وزير الخارجية أسعد الشيباني عبر منصة “إكس” أن سوريا تدخل مرحلة جديدة عنوانها ”مؤسسات دستورية فاعلة” وتكامل بين سلطات الدولة في خدمة الوطن والمواطن. هذه اللغة تحمل تصوراً مهماً للدولة الجديدة، ولذلك يصبح من المشروع تماماً أن نقارنها بما يحدث خارج باب المؤسسة لا لكي نقلل من قيمة المجلس، بل لأن الممارسة اليومية هي الاختبار الحقيقي لأي شعار مؤسساتي.
بالتزامن مع الجلسة الأولى ، شهد وسط دمشق طوقاً أمنياً وإغلاقاً لعدد من الشوارع والمسالك المؤدية إلى مبنى مجلس الشعب، وتشير تقارير منشورة إلى أن القيود شملت حركة السيارات والمشاة في المسارات المباشرة المحيطة بالمجلس. وفي الفضاء الرقمي، كتب مراسل منصة “صوت العاصمة” على تلغرام عن إغلاق الطرق المؤدية إلى المجلس وانتشار أمني مكثف أدى إلى ”ازدحام مروري خانق” في الشوارع المجاورة. وهنا تكمن المفارقة التي تستحق النقاش، في داخل المبنى حديث عن مؤسسة دستورية تخدم المواطن وتقرب الآراء، وفي الخارج مواطنون يعيدون رسم مساراتهم اليومية لأن المنطقة المحيطة بالمؤسسة التي يفترض أنها تمثلهم أصبحت لساعات مساحة يصعب الاقتراب منها.
ولا يمكن اختزال هذا النقاش في الجلسة الافتتاحية باعتبارها حدثاً استثنائياً يتطلب حضوراً رئاسياً وإجراءات حماية أعلى من المعتاد، لأن المسألة ظهرت من جديد مع الجلسة الثانية في أواخر تموز. ففي 27 تموز/يوليو نُشرت تقارير عن إغلاق شوارع رئيسية محيطة بالمجلس، بينها شارع العابد وشارع الحمرا، وعن اختناقات امتدت إلى مناطق مجاورة في وسط دمشق، فيما نقلت التغطيات حالة استياء على منصات التواصل الاجتماعي من اضطرار موظفين ومواطنين إلى المشي مسافات طويلة أو تغيير طرقهم، وبرز بين التعليقات سؤال عما إذا كان من الأفضل، إن كانت الاحتياجات الأمنية بهذا الحجم، التفكير في مكان آخر لانعقاد الجلسات بدلاً من ”خنق الحركة المرورية” في مركز المدينة. ليست أهمية هذا الاقتراح في ضرورة تطبيقه حرفياً، بل في أنه يعكس تبدلاً مهماً في الطريقة التي يفكر بها المواطن، لم يعد السؤال فقط “لماذا أغلقتم الطريق؟”، بل “هل توجد طريقة أخرى تحقق الهدف نفسه بكلفة أقل علينا؟”.
وقضية مجلس الشعب تحتاج إلى نقاش أوسع لأنها لا تتعلق بمؤسسة عادية حيث أن مجلس الشعب في أي دولة يحمل وظيفة رمزية بقدر ما يحمل وظيفة تشريعية، هو المبنى الذي يفترض أن تتلاقى داخله مصالح المجتمع المختلفة، وأن يشعر المواطن بأن صوته، مباشرة أو عبر ممثليه، قادر على الوصول إليه. ولذلك فإن المسافة بين المجلس والناس ليست مسألة أمنية فقط، بل جزء من صورة المؤسسة نفسها. لا أحد يقترح أن يكون مقر المجلس مفتوحاً بلا حراسة أو أن تدخل السيارات إلى جواره من دون ضوابط، لكن من المشروع السؤال عن الرسالة التي تنتج عندما تتحول كل جلسة إلى سبب محتمل لإغلاق محاور أساسية في مركز العاصمة. المجلس الذي يفترض أنه الأقرب سياسياً إلى المواطن ينبغي أن يكون من أكثر المؤسسات حساسية تجاه أثر إجراءاته الأمنية على حياة ذلك المواطن، لا أن يُنظر إلى الازدحام باعتباره مشكلة ثانوية خارج اختصاصه.
الموقع نفسه يضاعف أثر الإجراءات فالبرلمان يقع في قلب نسيج عمراني وتجاري كثيف، قرب شارع العابد والحمرا ومناطق ترتبط ببعضها بشبكة من الحركة اليومية للمشاة، والسيارات، والمتاجر، والمكاتب. وبالتالي فإن إغلاق شارع واحد لا يبقى محصوراً في الشارع ذاته، المركبات تنتقل إلى المحور التالي، ثم يزداد الضغط على التقاطع التالي، ويصبح القرار الأمني حول مبنى واحد حدثاً مرورياً يمتد إلى أجزاء من وسط المدينة. وإذا كان مجلس الشعب سيعقد جلساته بصورة دورية أسبوعية، فإن السؤال لا يعود متعلقاً بقبول المواطنين بإزعاج استثنائي مرة واحدة، بل بوجود بروتوكول دائم ينبغي تصميمه بحيث يتعايش مع المدينة بدلاً من أن يوقفها كلما اجتمع النواب.
ومن هنا يمكن التفكير في سلسلة طويلة من البدائل قبل الوصول إلى الإغلاق الواسع، هل يمكن تحديد نطاق حماية أصغر يعتمد على حواجز هندسية مصممة لمنع اقتراب المركبات الخطرة من دون إغلاق الشوارع بالكامل؟ هل يمكن إبقاء مسار للمشاة حتى أثناء أعلى درجات الاستنفار؟ هل يمكن الإعلان قبل الجلسة بساعات عن الطرق التي ستغلق وتوقيت إعادة فتحها والبدائل المتاحة؟ هل يمكن تنظيم دخول سيارات النواب والمسؤولين ضمن نوافذ زمنية محددة بدلاً من الاحتفاظ بطوق واسع طوال الجلسة؟ وهل يمكن، إذا أثبت المكان على المدى الطويل أنه غير قادر على استيعاب متطلبات حماية المجلس وحركة المدينة معاً، التفكير جدياً في إعادة تصميم محيطه أو في استخدام مقر بديل لبعض الاجتماعات؟ ليست هذه تفاصيل فنية تافهة، إنها جوهر الإدارة الحديثة التي لا تكتفي بحل المشكلة الموجودة أمام باب المؤسسة وإنما تحسب كلفة الحل على كل من يعيش حولها.
واللافت أن مؤسسات الدولة نفسها قدمت مثالاً مختلفاً يمكن البناء عليه. ففي آذار/مارس الماضي، عندما أغلقت طرق في دمشق بالتزامن مع عرض لوزارة الداخلية، خرج قائد الأمن الداخلي في المحافظة ليشرح سبب الإجراء وقال: ”نعتذر للمواطنين الكرام” عن تعطيل بعض أعمالهم بصورة مؤقتة. أهمية العبارة ليست في الاعتذار وحده، وإنما في الاعتراف بأن وقت المواطن ومصالحه جزء من حساب الدولة، وأن وجود مبرر أمني لا يلغي مسؤولية المؤسسة عن تفسير ما تفعله. هذا النموذج يمكن تطويره ليصبح قاعدة، كل إغلاق معلن، محدد زمنياً، مفسر، ومعه طرق بديلة. عندها يبقى الأمن قائماً لكن المواطن لا يشعر بأنه الطرف الأخير الذي يعرف أو أن حياته شأن لا يدخل في حسابات القرار.
ومن الزاوية ذاتها يمكن قراءة النقاش الذي ظهر في الفضاء الرقمي حول مجلس الشعب. بعض التعليقات كانت حادة وبعضها ساخر، لكن خلف العبارات المختلفة سؤالاً قابلاً للفهم، إذا كانت جلسة مجلس الشعب خدمة عامة في جوهرها، فلماذا يشعر المواطن أن انعقادها يأتي على حساب خدمة عامة أخرى هي قدرته على التنقل؟ وحين تكتب منصة إعلامية عن “ازدحام مروري خانق”، أو يتداول مواطنون عبارة “خنق الحركة المرورية”، فليس ضرورياً أن نتعامل مع هذه العبارات بوصفها هجوماً على المؤسسة التشريعية. يمكن قراءتها باعتبارها مؤشراً عاماً يجب أن يصل إلى أصحاب القرار: الناس لا يعترضون بالضرورة على حماية المجلس، وإنما على أن يكون الخيار الأول للحماية هو تعطيل المجال المحيط به على نطاق واسع.
هنا تحديداً تظهر أهمية التمييز بين هيبة الدولة وبين حصانة كل إجراء حكومي من النقد. فالهيبة لا تعني أن يصبح كل حاجز وكل لافتة وكل قرار منع جزءاً مقدساً من صورة الدولة لا يجوز الاقتراب منه. بالعكس، حين ترتبط هيبة الدولة بكل قرار فردي، تصبح هيبتها معرضة لأخطاء الأفراد أنفسهم. مؤسسة قوية تستطيع أن تقول إن هذا الحاجز كان أوسع مما يلزم فتضيّقه، وإن منع الهاتف لم يكن منطقياً فتعدل التعليمات، وإن إغلاق شارع أدى إلى مشكلة أكبر مما توقعنا فتضع خطة جديدة. التراجع عن إجراء غير ناجح ليس انهياراً لسلطة الدولة، إنه أحد أدلة وجود دولة تعرف الفرق بين السلطة والعناد.
وفي هذا السياق يظهر رد يتكرر أحياناً في النقاشات العامة عندما ينتقد شخص ممارسة حكومية ”أين كان صوتكم أيام النظام السابق؟”، أو “هل كنتم تستطيعون الاعتراض وقتها؟”. وقد يعتقد من يستخدم هذه المقارنة أنه يدافع عن الدولة الجديدة أو يذكّر بالفارق بين الماضي والحاضر، لكنه عملياً يوقع نفسه في مفارقة مؤذية للدولة التي يريد الدفاع عنها. فإذا كان النظام الساقط نظاماً ارتبط بالقمع والجرائم والاستبداد، وإذا كان العاملون في أجهزته ممن تورطوا في تلك الجرائم محل إدانة، فلماذا نضع مؤسسة أو مسؤولاً في الدولة الحالية في مقارنة معه أصلاً؟ لماذا يكون معيار الدفاع عن إجراء اليوم هو أن النظام السابق كان يرتكب ما هو أسوأ؟
حين يقول موظف أو مدافع عن مؤسسة “كانوا يفعلون هذا وأكثر في السابق”، فإنه قد يقصد التخفيف من حجم الخطأ الحالي، لكنه يضع نفسه ومؤسسته، من حيث لا يريد، على خط مقارنة واحد مع أشخاص ومؤسسات يُفترض أن الدولة الجديدة جاءت لتتجاوز ممارساتهم وتؤسس لنهج مختلف عنها، والمقارنة بين الأفعال لا تبقى دائماً محصورة في الأفعال، إذا قيل إن التصرف مشابه ثم كان الدفاع الوحيد أنه أقل سوءاً، فمن الطبيعي أن تنتقل المقارنة في الوعي العام إلى من يقوم بالفعل أيضاً. وبذلك يصبح الشخص الذي اعتقد أنه يدافع عن زملائه هو من وضعهم في موضع مهين، وبدلاً من حماية هيبة الدولة يكون قد أساء إليها عبر قياسها بمعيار نظام سقط لأن السوريين رفضوا منطقه وممارساته.
الأقوى في الدفاع عن الدولة الحالية ليس أن نقول إنها أفضل من النظام الساقط، فهذه يجب أن تكون نقطة البداية البديهية لا سقف الطموح، وإنما أن نقول إن معيارها مختلف من الأساس. لم يكن المواطن يستطيع الاعتراض بحرية في الماضي؟ إذاً من علامات نجاح الدولة الحالية أن يستطيع الاعتراض اليوم. كانت عبارة “تعليمات أمنية” كافية لإسكات السؤال؟ إذاً من علامات التغيير أن تشرح المؤسسة تعليماتها. كانت الطرق تغلق ولا يملك المواطن حق معرفة السبب؟ إذاً ينبغي اليوم أن يصبح الإعلان والبديل والتوقيت جزءاً من الإجراء. بهذه الطريقة نحمي هيبة الدولة فعلاً، لأننا لا نضعها في سباق مع نظام مجرم حول من كان أقل سوءاً، وإنما نضعها في طريق مختلف كلياً.
إن علاقة السوري بالدولة الجديدة لن تُبنى فقط من خلال القوانين الكبرى والانتخابات وخطابات المسؤولين، وإنما من التفاصيل التي يواجهها كل صباح. الدولة بالنسبة إلى معظم الناس ليست الوزير ولا رئيس المجلس، وإنما الحارس الذي يقول لهم أين يمكن أن يقفوا، والموظف الذي يستقبل معاملتهم، والشرطي الذي يغلق الطريق، واللافتة التي يقرؤونها على باب المديرية. لهذا فإن منع سيارة من التوقف أربعين متراً أمام مكتب قرب قلعة حلب، أو اعتبار محيط نقطة CMU نطاقاً أمنياً، أو وضع الموبايل بجانب السلاح في لافتة، أو إغلاق طريق بسبب جلسة برلمانية ليست أموراً منفصلة تماماً عن عملية بناء الدولة، إنها أحد الأماكن التي تُختبر فيها تلك العملية بصورة يومية.
ولا تقتصر كلفة هذه الإجراءات على شعور المواطن. هناك كلفة اقتصادية واضحة وإن كان من الصعب حسابها بدقة، سيارات تدور أكثر بحثاً عن موقف، وقود إضافي، موظفون يتأخرون، سيارات أجرة تغير مساراتها، متاجر يصعب الوصول إليها، ومشاة يضطرون إلى قطع مسافات أطول عند إغلاق الطرق. المدينة في النهاية اقتصاد يتحرك، وكل دقيقة إضافية تفرض على آلاف الأشخاص لها قيمة، مثلما أن كل متر من شارع مكتظ له قيمة أكبر بكثير من مساحته الهندسية المجردة. وإذا كانت الدولة تبذل جهداً لتخفيف الازدحام وتحسين الخدمات وجذب النشاط التجاري والسياحي، فيجب أن تدخل هذه الاعتبارات في حساب أي إجراء أمني دائم أو متكرر.
والأهم من ذلك كله كلفة يصعب قياسها بالأرقام وهي الثقة، حين يعرف المواطن أن هناك نقطة أمنية لكنه يفهم حدودها وسببها، يمكن أن يتقبلها. وحين يعرف أن الطريق سيغلق ساعتين ثم يفتح وأن لديه مساراً بديلاً، يستطيع تنظيم يومه. وحين يعلم أن التصوير هو الممنوع لا هاتفه كله، يشعر بأن المؤسسة تحترم عقله وحاجته. وحين يشتكي من أربعين متراً محجوزة أمام مبنى فيجد جهة تسأل فعلاً إن كانت المساحة ضرورية، يبدأ بإدراك أن المجال العام ملكه أيضاً وأن الدولة لا تعتبر السؤال اعتداءً عليها.
هذه هي الدولة المدنية في معناها العملي. ليست دولة بلا أمن ولا حواجز ولا تعليمات، وإنما دولة تعرف لماذا تضع الحاجز وأين ينتهي، ولماذا تمنع فعلاً ما ولا تمنع ما لا ضرورة لمنعه، وتعتبر حق المواطن في السؤال جزءاً من عمل المؤسسة لا تهديداً لها. وهي دولة تفهم أن أقوى الأجهزة الأمنية ليست التي تستطيع إفراغ أكبر مساحة من المدينة، بل التي تستطيع حماية هدفها بأصغر أثر ممكن على حياة الناس.
من هنا يمكن جمع المشاهد الأربعة في صورة واحدة, في محيط القلعة بحلب ينبغي أن تكون حماية المكتب الحكومي متوافقة مع حقيقة أنه موجود في منطقة مكتظة وأن السيارات تحتاج إلى الطريق، وعند نقاط CMU ينبغي ألا تصبح عبارة “نقطة أمنية” وحدها سبباً كافياً لتوسيع دائرة المنع بلا حدود واضحة، وفي مواصلات جسر الشغور ينبغي التفريق بين الهاتف والسلاح، وبين منع التصوير ومنع أداة يحتاجها المواطن لإنجاز معاملته، وحول مجلس الشعب ينبغي أن يكون انعقاد الجلسات مناسبة لظهور كفاءة الدولة في إدارة الأمن والمدينة معاً، لا سبباً متكرراً ليشعر الناس أن مؤسستهم التشريعية لا تستطيع الاجتماع إلا عندما يفسح لها جزء من العاصمة الطريق.
لقد كان من أهم ما قيل مع انطلاق مجلس الشعب أن المرحلة الجديدة يجب أن تقوم على “مؤسسات دستورية فاعلة” تعمل في خدمة المواطن، ربما يكون من أبسط وأقوى الطرق لترجمة هذه العبارة ألا تبقى “خدمة المواطن” مفهوماً سياسياً كبيراً داخل القاعة فقط، بل أن تبدأ أيضاً من خارج الباب، من حقه في الطريق، ومن وقته، ومن قدرته على الوصول إلى عمله، ومن حقه في معرفة سبب المنع، ومن حقه في الاعتراض عليه.
فسوريا تحتاج إلى دولة قوية، لكن قوة الدولة المدنية ليست في عدد الطرق التي تستطيع إغلاقها، ولا في طول المساحات التي تستطيع منع السيارات من الوقوف فيها، ولا في كثرة الأشياء المكتوب أمامها “ممنوع”. القوة الحقيقية أن تمتلك الدولة القدرة والثقة والمعرفة التي تجعلها تمنع فقط ما يجب منعه، وبالقدر الذي يجب منعه، وللمدة التي يجب أن يستمر فيها المنع، ثم تعيد الطريق والمساحة والحياة إلى أصحابها.
وعندها لن تكون هيبة الدولة بحاجة إلى من يدافع عنها بمقارنة مهينة مع النظام الساقط، ولن يحتاج الموظف إلى القول للمواطن “أين كنت تتكلم سابقاً؟”، لأن الفرق بين الدولتين سيكون ظاهراً في المشهد نفسه، المواطن يسأل، والمؤسسة تشرح، المواطن ينتقد، والمؤسسة تراجع، الأمن يحمي، لكنه لا يستولي على المدينة.
ربما يبدأ بناء الدولة بالدستور والمؤسسات ومجلس الشعب، لكنه يُختبر كل يوم في أماكن أكثر بساطة، في الأربعين متراً أمام مكتب قرب قلعة حلب، وبجانب نقطة CMU ، وعند لافتة باب مواصلات جسر الشغور، وفي الشارع الذي يحيط بمجلس الشعب عندما تبدأ الجلسة.




