مجزرة الغوطة.. ذاكرة الضحايا في مواجهة العدالة المؤجلة
مجزرة الغوطة الكيميائية.. 13 عاماً على الجريمة والعدالة المؤجلة

في ليلةٍ صيفية من ليالي آب، لم تكن زملكا تعرف أن الهدوء الذي خيّم على أحيائها سيكون مقدمةً لواحدة من أكثر الليالي دموية في تاريخ سوريا الحديث. غابت أصوات الطائرات والإنذارات، وحلّ مكانها صمت ثقيل لم يقطعه سوى رائحة غريبة تسللت عبر النوافذ المفتوحة التي تركها الأهالي بحثاً عن بعض الهواء وسط قيظ الصيف.
لكن تلك النوافذ التي فُتحت طلباً للهواء، تحولت إلى ممرّ للموت.
نامت عائلات بأكملها من دون أن تعرف أن دقائق قليلة تفصلها عن الموت اختناقاً. وفي الصباح، لم تكن الغوطة تستيقظ على يوم جديد، بل على مشهد يصعب على الذاكرة البشرية أن تستوعبه: أجساد أطفال ونساء ورجال بلا حراك، وأمهات يبحثن عن أبنائهن بين الموتى، وآباء احتضنوا أطفالهم حتى اللحظة الأخيرة، فيما بقيت على الوجوه ملامح نوم لم يكتمل.
في 21 آب/أغسطس 2013، تعرّضت مناطق في الغوطة الشرقية بريف دمشق لهجوم بالأسلحة الكيميائية، في واحدة من أبشع الجرائم التي شهدتها الحرب السورية. وتختلف التقديرات بشأن العدد الدقيق للضحايا، لكن المؤكد أن مئات الأشخاص قُتلوا، بينهم أعداد كبيرة من النساء والأطفال، فيما أصيب آخرون بآثار التعرّض للغازات السامة التي تركت آثاراً جسدية ونفسية طويلة الأمد.
غير أن الأرقام، مهما كبرت، تبقى عاجزة عن اختصار المأساة.
فخلف كل رقم قصة إنسان. أبٌ لم يستطع إنقاذ أطفاله، وأمٌّ بقيت تبحث عن أبنائها بين الجثامين، وطفل نجا من الموت لكنه حمل معه خوفاً لا يعرف كيف يصفه. هناك من بقيت لديه ذاكرة مرتبطة برائحة معينة، أو بصوت سيارة إسعاف، أو بلحظة استيقاظ مفاجئة في الليل. وهناك من كبر وهو يحمل سؤالاً واحداً: لماذا قُتل أحباؤه بهذه الطريقة؟
لم يكن الهجوم الكيميائي حادثة منفصلة عن سياق أوسع من العنف الذي تعرضت له مناطق المعارضة في سوريا. فقد سبقت الهجوم سنوات من القصف والحصار، وتبعته مراحل طويلة من التضييق والتهجير والتدمير لمناطق واسعة من الغوطة.
وبمرور السنوات، لم تعد كلمة «الغوطة» تشير إلى مكان جغرافي فحسب، بل أصبحت في ذاكرة السوريين عنواناً لمرحلة كاملة من الفقد؛ مرحلة اختلط فيها الخوف بالجوع والحصار والتهجير، وتحولت فيها البيوت إلى أنقاض، والذكريات إلى عبء ثقيل يحمله الناجون أينما ذهبوا.
ولأن الجرائم الكبرى لا تنتهي بمجرد توقف السلاح، فإن آثارها تبقى حاضرة في حياة الناجين. فالعدالة، في جوهرها، ليست مجرد عقوبة تصدر بحق متهم، وإنما اعتراف رسمي بآلام الضحايا، وكشف للحقيقة، وضمان لعدم تكرار الجريمة.
شكّل سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 تحولاً تاريخياً في مسار سوريا، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة طال انتظارها. لكن سقوط النظام سياسياً لا يعني، بحد ذاته، اكتمال العدالة.
فالعدالة لا تتحقق بمجرد سقوط رأس السلطة، ولا باعتقال عدد من المتورطين في الجرائم، وإنما تحتاج إلى مسار طويل وشامل يحدد المسؤوليات على مختلف المستويات، من منفذي الأوامر إلى من أصدرها وخطط لها ووفّر الغطاء السياسي والعسكري لها.
وهنا تبرز العدالة الانتقالية بوصفها أحد أهم الاختبارات أمام سوريا الجديدة.
فالعدالة الانتقالية ليست عملية انتقام، ولا محاولة لإعادة إنتاج منطق الإقصاء الذي عانت منه البلاد لعقود، بل هي منظومة تهدف إلى معالجة إرث الانتهاكات الجسيمة عبر مجموعة متكاملة من الأدوات: المحاسبة، وكشف الحقيقة، وجبر الضرر، وإحياء ذاكرة الضحايا، وإصلاح المؤسسات التي سمحت بوقوع الجرائم.
ومن أهم مسؤوليات المرحلة المقبلة إعادة الاعتبار للضحايا بوصفهم أصحاب حق، لا مجرد أرقام في تقارير المنظمات الدولية.
فالناجي من هجوم كيميائي ليس مجرد شاهد على الماضي، وإنما جزء من مستقبل البلاد. والطفل الذي فقد والديه، والمرأة التي فقدت أبناءها، والعائلة التي هجّرت من منزلها، جميعهم يحتاجون إلى أكثر من الاعتراف بما حدث؛ يحتاجون إلى حقهم في معرفة الحقيقة، وفي رؤية المسؤولين عن معاناتهم يمثلون أمام قضاء عادل ومستقل.
كما أن جبر الضرر يجب ألا يقتصر على التعويض المالي، بل ينبغي أن يشمل الدعم الاجتماعي والنفسي، ورد الحقوق، وإعادة بناء المناطق المدمرة، وتوثيق شهادات الناجين، وحماية الذاكرة الجماعية من التزييف أو النسيان.
قد يكون من السهل على المجتمعات الخارجة من الحروب أن تطالب بطي صفحة الماضي، لكن المصالحة الحقيقية لا تعني دفن الحقيقة.
فالنسيان القسري لا يصنع سلاماً، وإنما يؤجل الانفجار.
وإذا كانت سوريا تريد بناء عقد اجتماعي جديد بين المواطن والدولة، فإن هذا العقد يجب أن يقوم على قاعدة واضحة: لا أحد فوق القانون، ولا جريمة بلا مساءلة، ولا ضحية بلا حق.
المصالحة التي لا تسبقها الحقيقة تتحول إلى تسوية مؤقتة، بينما المصالحة المبنية على الاعتراف بالجرائم ومحاسبة المسؤولين وجبر الضرر يمكن أن تصبح أساساً لسلام أكثر استدامة.
اليوم، وبعد سنوات من الحرب، يعود كثير من السوريين إلى مدنهم وبلداتهم محاولين إعادة بناء ما تهدم. تُرفع الأنقاض، وتُرمم البيوت، وتعود الحياة تدريجياً إلى الشوارع التي غادرتها ذات يوم.
لكن إعادة الإعمار وحدها لا تكفي.
فالبيت يمكن ترميم جدرانه، أما ذاكرة الإنسان فلا تُبنى بالإسمنت.
ولهذا تحتاج الغوطة، كما تحتاج سوريا كلها، إلى مشروع وطني يحفظ ذاكرتها ويصون شهادات أبنائها، لا لتكريس الكراهية، وإنما لمنع تكرار الجريمة. فالذاكرة حين تُوثق وتُحترم تصبح درساً للأجيال، أما حين تُطمس أو تُشوّه فقد تتحول إلى وقود لجولة جديدة من العنف.
بعد ثلاثة عشر عاماً، ما زالت الغوطة تحمل آثار تلك الليلة في وجوه أبنائها وذاكرة ناجيها. قد تتغير الأنظمة، وتُفتح الطرق، وتُبنى البيوت من جديد، لكن آثار الجريمة لا تختفي بقرار سياسي ولا تسقط بالتقادم في ذاكرة من فقدوا أحباءهم.
لقد تجاوز السوريون مرحلة الخوف من السؤال، وبدأوا يطالبون بما هو أبعد من الانتقام: الحقيقة، والإنصاف، والمحاسبة.
ومن هنا، فإن التحدي الأكبر أمام سوريا الجديدة ليس فقط أن تتجاوز إرث الحرب، بل أن تتعلم كيف تواجهه بشجاعة. فالدولة التي تريد بناء مستقبل مختلف لا تستطيع أن تؤسس شرعيتها على الصمت عن الماضي، وإنما على الاعتراف به ومحاسبة المسؤولين عنه وإعادة الاعتبار لضحاياه.
الغوطة لا تحتاج إلى أن تُنسى، بل إلى أن تُسمع شهادتها.
ولا تحتاج إلى أن تبقى جرحاً مفتوحاً، بل إلى أن تتحول ذاكرتها إلى عهد وطني: ألا تتكرر الجريمة، وألا يفلت المسؤول عنها من العدالة، وألا يصبح الصمت طريقاً آخر إلى المأساة.
فإذا كانت سوريا الجديدة تريد أن تبني وطناً يتسع لجميع أبنائها، فإن أول الطريق هو أن تنتصر للإنسان، وأن تجعل العدالة أساساً للمصالحة، والحقيقة أساساً للسلام، والذاكرة ضمانةً للمستقبل.
من الغوطة يبدأ الدرس: لا وطن مستقراً من دون عدالة، ولا عدالة حقيقية من دون محاسبة من أمر ونفّذ وتستر.




